انتقل إلى المحتوى
متى يبدأ الأطفال بالتحدث؟ المراحل الرئيسية والإرشادات العلمية

متى يبدأ الأطفال بالتحدث؟ المراحل الرئيسية والإرشادات العلمية

بالنسبة لكل والد، تُعدّ أول كلمة واضحة ينطق بها طفله من أثمن "هدايا" الحياة. بدءًا من البكاء عند الولادة، مرورًا بالثرثرة في مرحلة الطفولة المبكرة، وصولًا إلى قول "بابا" أو "ماما" بوضوح، تُمثّل هذه العملية نقلة نوعية في قدرات الطفل المعرفية والتواصلية. فمتى يبدأ الطفل بالكلام تحديدًا؟ وما هي القواعد التي تتبعها هذه العملية؟ ستُحلل هذه المقالة بعمق المراحل الرئيسية لتطور لغة الرضيع، والعوامل المؤثرة، وأساليب التوجيه العلمي التي يُمكن للوالدين اتباعها، مُوفرةً مراجع شاملة للآباء.

١. "الخط الزمني" لتطور اللغة: من الإنبات إلى التعبير الواضح

لا يتحقق تطور لغة الطفل بين عشية وضحاها، بل هو عملية تدريجية، ولكل مرحلة مظاهرها الفريدة ومحاور نموها الرئيسية. تُقسّم الأبحاث الطبية ودراسات نمو الطفل هذه العملية عمومًا إلى المراحل الرئيسية التالية، ويمكن للوالدين مراقبة حالة نمو الطفل من خلالها:

  1. من 0 إلى 6 أشهر: "فترة التحضير" للغة - من البكاء إلى أصوات الحروف المتحركة

    يُعبّر الأطفال حديثو الولادة (من عمر 0 إلى شهر واحد) عن احتياجاتهم بشكل رئيسي من خلال البكاء، كالجوع أو الانزعاج أو النعاس، وهي "وسيلة التواصل" الأولية لديهم. مع نمو الطفل، في عمر 3 أشهر تقريبًا، يبدأ بنطق أصوات حروف العلة البسيطة مثل "a" و"o" و"e". عادةً ما تكون هذه الأصوات لا إرادية، لكنها تُشكّل أساسًا مهمًا لتطور اللغة. في عمر 5-6 أشهر، سيحاول الطفل نطق أصوات أكثر تعقيدًا من خلال الجمع بين حروف العلة والحروف الساكنة، مثل "ba" و"ma" و"da". مع ذلك، لا تحمل هذه النطقات معنىً اتجاهيًا واضحًا في هذا الوقت؛ فهي أشبه بتمارين لعضلات الفم واستكشاف الأصوات.

    خلال هذه المرحلة، يتطور سمع الطفل بسرعة. يستطيع تمييز أصوات والديه بدقة، ويستجيب للأصوات المألوفة من خلال حركات مثل تحريك رأسه والابتسام، مما يُهيئه لفهم اللغة لاحقًا.

  1. من 7 إلى 12 شهرًا: "فترة إنبات" اللغة - نطق الكلمة الواحدة وربط معناها

    بالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و9 أشهر، يدخل تطورهم اللغوي مرحلة "الثرثرة" الأساسية. سيقلدون باستمرار نطق من حولهم، وتكون الأصوات التي يصدرونها أقرب إلى الكلمات الحقيقية، مثل "بابا" و"ماما" و"باي باي". في الوقت نفسه، يبدأ الطفل بربط نطق معين بأشخاص أو أشياء محددة. على سبيل المثال، سينطقون صوت "ما" عند رؤية أمهم، وسيُظهرون اهتمامًا بالألعاب ذات المقاطع الصوتية المحددة.

    يستطيع معظم الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ١٠ و١٢ شهرًا إتقان كلمة إلى ثلاث كلمات واضحة ذات معانٍ محددة. بالإضافة إلى كلمتي "بابا" و"ماما"، قد تشمل هذه الكلمات أيضًا أسماء أشياء شائعة مثل "كلب" و"كرة". علاوة على ذلك، يمكنهم فهم تعليمات أبسط، مثل "لوّح مودعًا" و"مرر الكرة لأمي"، مما يدل على أن قدرة الطفل على فهم اللغة قد تطورت بشكل يفوق قدرته على التعبير.

  1. من ١٣ إلى ٢٤ شهرًا: "الفترة المتفجرة" للغة - زيادة في المفردات والجمل البسيطة

    بعد عمر سنة واحدة، تدخل قدرة الطفل اللغوية مرحلةً من التطور السريع. بالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و18 شهرًا، تزداد مفرداتهم بسرعة من بضع كلمات إلى حوالي 50 كلمة أو أكثر. يتعلمون كلمات جديدة بنشاط، مع التركيز بشكل خاص على الطعام والألعاب وأسماء العائلة التي يتعاملون معها يوميًا. خلال هذه المرحلة، يستخدم الأطفال أيضًا كلماتٍ مكررة، مثل "فان فان" (الأرز)، و"شوي شوي" (الماء)، و"تشي تشي" (السيارة). هذه طريقة شائعة لديهم لتبسيط التعبير اللغوي، وهي عملية نمو طبيعية.

    يبدأ الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و24 شهرًا بمحاولة دمج كلمتين لتكوين جمل بسيطة، مثل "حضن الأم"، و"تناول الفاكهة"، و"اركض يا كلب". في الوقت نفسه، تتحسن قدرتهم على الفهم بشكل ملحوظ. يمكنهم فهم التعليمات المعقدة، مثل "خذ الكوب على الطاولة لأبي"، ويمكنهم أيضًا الإجابة على أسئلة بسيطة، مثل "طفلي، هل تريد بعض الماء؟"

  2. ٢٥-٣٦ شهرًا: "فترة تحسين" اللغة - الجمل المعقدة والتعبير المنطقي

    بعد سن الثانية، تتحسن مهارات الطفل اللغوية تدريجيًا. يستطيع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و30 شهرًا امتلاك مفردات تتراوح بين 100 و300 كلمة، ونطق جمل قصيرة أكثر اكتمالًا، مثل "أريد أن آكل التفاح" و"الطفل يلعب بمكعبات البناء"، واستخدام أدوات بسيطة مثل "لا" و"أريد" و"حسنًا". ويبدأون بمحاولة وصف سير الأحداث، مثل "طارد الكلب القطة للتو".

    يستطيع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و36 شهرًا إتقان ما بين 300 و500 كلمة أو أكثر. يمكنهم استخدام حروف العطف المنطقية البسيطة مثل "لأن... إذًا..." و"أولًا... ثم..."، وتكون تعبيراتهم أكثر منطقية وترابطًا. يمكنهم التعبير بوضوح عن تجاربهم، مثل "بالأمس، ذهبت إلى الحديقة لألعب على الزحليقة مع أمي"، ويمكنهم أيضًا الإجابة على أسئلة مثل "لماذا" و"ماذا"، حيث تتشكل قدرتهم على التواصل اللغوي بشكل أساسي.

II. العوامل الرئيسية المؤثرة على تطور لغة الطفل: الدور المشترك للعوامل الفطرية والمكتسبة

هناك اختلافات فردية في سرعة نمو لغة الأطفال، لكنهم عادةً ما يتبعون القواعد المذكورة أعلاه. إذا تأخر نمو الطفل بشكل ملحوظ، فقد يكون ذلك مرتبطًا بالعوامل الفطرية أو المكتسبة التالية، والتي يجب على الوالدين التركيز عليها:

  1. العوامل الفطرية: الأساس الفسيولوجي والتأثيرات الجينية

    يُعدّ الجهاز السمعي أساسًا هامًا لتطور اللغة. فإذا كان لدى الطفل ضعف سمع خلقي، ولم يستطع استقبال الإشارات الصوتية بشكل طبيعي، فسيؤثر ذلك بشكل مباشر على تعلم اللغة والتعبير عنها. إضافةً إلى ذلك، فإن التشوهات في بنية الفم، مثل قصر اللسان، والحنك المشقوق، وتشوهات نمو الأسنان، ستُقيّد حركة أعضاء النطق لدى الطفل، مما يُصعّب عليه نطق أصوات واضحة بدقة.

    للعوامل الوراثية أيضًا تأثير على تطور اللغة. وقد أظهرت الدراسات أنه في حال وجود حالات تأخر لغوي لدى الوالدين أو أحد أفراد الأسرة، فإن احتمالية إصابة الطفل بحالات مماثلة تكون أعلى نسبيًا.

  2. العوامل المكتسبة: التحفيز البيئي وجودة التفاعل

    البيئة اللغوية هي العامل الأساسي المكتسب المؤثر على تطور لغة الطفل. إذا كانت بيئة الأسرة لغة واحدة، وكان تواصل الوالدين مع الطفل محدودًا، أو كان الطفل يعيش في بيئة صامتة لفترة طويلة، محرومًا من فرص تقليد اللغة وممارستها، فقد يتأخر تطوره اللغوي. على العكس، إذا كانت الأسرة ثنائية اللغة (مثلًا)، وكان بإمكان الوالدين التفاعل مع الطفل باستمرار، فستتحسن قدرات الطفل على إدراك اللغة والتعبير عنها.

     

    جودة التفاعل بالغة الأهمية أيضًا. يقضي بعض الآباء وقتًا طويلًا مع أطفالهم، لكنهم يفتقرون إلى التفاعل اللغوي الفعال. على سبيل المثال، يكتفون بتشغيل أغاني الأطفال والرسوم المتحركة للطفل دون تواصل مباشر أو الاستجابة لنطقه. هذا يُصعّب على الطفل ربط الأصوات بالمعاني الحقيقية، مما يؤثر على تطور فهمه اللغوي وقدرته على التعبير. إضافةً إلى ذلك، فإن المبالغة في تدليل الطفل وتلبية احتياجاته بنشاط قبل التعبير عنها لغويًا (مثل إعطاءه الألعاب عند رؤيته يمد يده أو إطعامه عند بكائه) يُقلل من رغبته في التعبير بفعالية، مما يؤثر على تطوره اللغوي.

  3. عوامل أخرى: الأمراض والحالة العقلية

    بعض الأمراض، مثل التوحد والإعاقة الذهنية وإصابات الدماغ، تصاحبها أعراض تأخر لغوي. إذا لم يقتصر تأخر الطفل في التعبير اللغوي على ذلك، بل ظهرت عليه أيضًا أعراض مثل التجنب الاجتماعي، وقلة التواصل البصري، وبطء الاستجابة، فيجب على الوالدين اصطحاب الطفل إلى المستشفى للفحص في الوقت المناسب.

    يمكن أن تؤثر الحالة النفسية أيضًا على تطور اللغة. إذا عاش الطفل في بيئة قلقة ومتوترة لفترة طويلة، أو عانى من قلق الانفصال والتغيرات العائلية، فقد يعاني من تأخر في التعبير اللغوي، مما يؤدي إلى تباطؤ في سرعة نموه.

ثالثًا: التوجيه العلمي: أساليب عملية لتعزيز نمو لغة الطفل

يتطلب نمو لغة الطفل توجيهًا علميًا ورفقةً صبورةً من الوالدين. وقد أثبتت دراسات نمو الطفل فعالية الطرق التالية في تعزيز نمو القدرة اللغوية للطفل:

  • إنشاء بيئة لغوية غنية: تواصل أكثر وقلد أكثر

    ينبغي على الوالدين المبادرة بالتفاعل اللغوي مع الطفل منذ ولادته. خلال الرعاية اليومية، يمكنهم التحدث أثناء القيام بالأشياء. على سبيل المثال، قول "الطفل يشرب الحليب، إنه لذيذ" عند الرضاعة، و"نحن نغير الحفاض، الطفل رائع" عند تغيير الحفاض. هذا يسمح للطفل بإدراك العلاقة بين اللغة والأفعال والأشياء في مشهد مألوف.

    عندما يُثرثر الطفل، ينبغي على الوالدين الاستجابة وتقليده في الوقت المناسب. على سبيل المثال، إذا قال الطفل "با"، يُمكنهما الرد "بابا، هل الطفل ينادي بابا؟" من خلال التكرار والتعزيز، يُساعدان الطفل على ترسيخ نطقه. بالإضافة إلى ذلك، يُمكنكِ تشغيل أناشيد الأطفال ذات الإيقاع البطيء وتسجيلات صوتية للقصص للطفل لإثراء إدراكه اللغوي، ولكن من الضروري التحكم في الوقت وتجنب الاعتماد المفرط على الأجهزة الإلكترونية.

  • إجراء القراءة بين الوالدين والطفل: تحفيز الاهتمام باللغة وتراكم المفردات

    قراءة الوالدين والطفل طريقة فعّالة لتعزيز نمو لغة الطفل. ابتداءً من عمر ستة أشهر تقريبًا، يُمكنكم اختيار كتب مصورة بألوان زاهية وصور بسيطة ونصوص موجزة، مثل "سلسلة الدب الصغير" و"اليرقة الجائعة جدًا". عند القراءة، ينبغي على الوالدين إبطاء وتيرة كلامهم، ورواية القصص بنبرة وتعابير مُبالغ فيها، والإشارة إلى الأنماط في كتاب الصور ونطق أسمائها، مثل "انظر، هذه تفاحة حمراء"، لمساعدة الطفل على تمييز الأشياء واكتساب مفردات جديدة.

    مع نمو طفلك، يمكنكِ اختيار كتب مصورة ذات حبكات أكثر تعقيدًا وتشجيعه على المشاركة في التفاعلات. على سبيل المثال، اسأليه: "يا صغيري، أين الدب الصغير؟" و"ما لون التفاحة؟" لتشجيعه على الاستجابة بأصابعه أو بكلمات بسيطة، وتحفيز اهتمامه بالتعبير اللغوي.

  • تشجيع التعبير النشط: خلق الاحتياجات والانتظار بصبر

    على الوالدين تعلم "تأجيل الإشباع" وإتاحة فرص للطفل للتعبير عن احتياجاته بفعالية. على سبيل المثال، عندما يريد الطفل لعبة، لا تُعطِها له فورًا، بل وجّهه ليقول "أريد" أو "لعبة" قبل تلبية احتياجاته. عندما تكون تعابير وجه الطفل غير واضحة، على الوالدين الإنصات بصبر وعدم التسرع في تصحيحه. بدلًا من ذلك، كرّر احتياجات الطفل بلغة سليمة. على سبيل المثال، إذا قال الطفل "تناول فاكهة"، يمكن للوالدين الرد: "الطفل يريد أن يأكل التفاح، صحيح؟ ستُحضر لك ماما تفاحة".

    بالإضافة إلى ذلك، يمكنك اصطحاب الطفل للمشاركة في الأنشطة الاجتماعية بشكل أكبر، مثل اللعب مع الأقران والمشاركة في أنشطة الوالدين والطفل، حتى يتمكن الطفل من تعلم التعبير اللغوي وتحفيز الرغبة في التواصل في التفاعلات مع الآخرين.

  • الانتباه إلى التشوهات النمائية: التدخل في الوقت المناسب والتقييم المهني

    ينبغي على الوالدين فهم "العلامات التحذيرية" لتطور لغة الطفل. في حال حدوث الحالات التالية، يجب عليهم اصطحاب الطفل إلى قسم صحة الطفل أو قسم علاج النطق للتقييم في الوقت المناسب: إذا كان الطفل لا يزال غير قادر على النطق بعمر 18 شهرًا؛ أو لا يستطيع نطق جمل بسيطة بعمر سنتين؛ أو لا يستطيع التعبير بوضوح عن احتياجاته بعمر 3 سنوات، أو لديه تأخر ملحوظ في فهم اللغة مقارنةً بأقرانه؛ أو لا يستجيب الطفل للأصوات، أو ينطق بشكل غير طبيعي (مثل الكلام غير الواضح للغاية)، أو يصاحبه اضطرابات اجتماعية وسلوكية.

    يجب التأكيد على أن تأخر اللغة لا يعني بالضرورة إعاقة ذهنية. التدخل المبكر والتدريب المهني يُحسّنان قدرة الطفل اللغوية بفعالية. على الوالدين تجنّب القلق وعدم لوم الطفل أو انتقاده، حتى لا يُضعفا ثقته بنفسه.

رابعًا: الخاتمة: احترموا الفروق الفردية وانتظروا "ازدهار" اللغة

كل طفل فريد من نوعه، وهناك اختلافات فردية في سرعة تطور اللغة. قد يتمكن بعض الأطفال من التعبير بوضوح مبكرًا، بينما قد يبدأ آخرون بالكلام تدريجيًا بعد عمر ١٨ شهرًا. جميع هذه الأمور ضمن المعدل الطبيعي. لا داعي للمقارنة المفرطة أو الشعور بالقلق من قِبَل الوالدين. يكمن السر في تهيئة بيئة لغوية دافئة وغنية للطفل، وتحفيز إمكاناته اللغوية من خلال تفاعلات عالية الجودة وتوجيه علمي.

نرجو منكم أن تؤمنوا بأنه بفضل صبر الوالدين ورعايتهم، سيجتاز الطفل في نهاية المطاف جميع مراحل تطوره اللغوي بسلاسة، وسيعبّر عن فهمه وحبه للعالم بصوت حنون. في حال وجود أي نمو غير طبيعي، فإن طلب المساعدة الطبية في الوقت المناسب يمكن أن يحمي تطوره اللغوي.

عربة التسوق 0

عربة التسوق فارغة حاليا.

ابدأ التسوق